عبد الله بن محمد المالكي
306
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
ذلك الحصير ، فعثر عليه ثانية ، فغضب رباح وقال له : « رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول « 40 » : « لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين ، وأنت تعثر على حصير مرتين ! ألا إذ عثرت عليه مرة أخذت حذرك فلا تعود إليه مرة أخرى ؟ » . ورأيت له ، رحمه اللّه تعالى ، رسالة كتب بها إلى البهلول بن راشد : « السلام عليك ، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو . أما بعد ، فإني أوصيك ونفسي بتقوى اللّه الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . فالزم على نفسك كثرة ذكره ، واستعن باللّه عزّ وجل على أداء فرائضه ، واستغفره لما هو أعلم به ، فإنه عزّ وجل يقول : ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ) « 41 » ، ثم أحدث احتراسا من الجليس ، إلا من كان همه يعلو فرحه « 42 » ، وفكره ينفع جليسه ، يستعمله إلفه . فمن لم يكن منهم كذلك ، فأظهر له حسن الخلق ، وتسلّك « 43 » من إخائه في رفق . واستعن بكتاب اللّه عزّ وجل وكثرة ذكره وتلاوته ، فإنه الشفاء والرحمة للمؤمنين . وقد نزل بنا ما ترى من سفك الدماء وذهاب الأموال ، وقد علمت ما عاينت من كثرة العبر بتسليط إلهك عزّ وجل يوم سطا أبو حاتم الأعور « 44 » ، وإنما كان ذلك نقمة بالذنوب ، فبلغ من الفساد ما اللّه أعلم به وأحصى له ، من حصار وضيق أسعار وظهور المنكر . وقد قال إلهنا الكبير المتعال عزّ وجل : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) « 45 » . فهل من رجوع ظاهر أو باطن ؟ فما ينتظر من كان في مثل ما نحن فيه إلّا نزول « 46 » النقم ، إلّا أن
--> ( 40 ) ينظر الحديث وتخريجه في كشف الخفاء 2 : 503 - 504 . ( 41 ) سورة النساء آية 110 . ( 42 ) في الأصل والمطبوعة : فرجه - ثالثه جيم - . ولعلّ صوابه بالحاء المهملة . ( 43 ) كذا في الأصل . وأصلحه ناشر الطبعة السابقة . وأسلك . وكلها تفيد نفس المعنى . المعجم الوسيط ( سلك ) . ( 44 ) يشير إلى محاصرة القيروان من طرف الأباضية بقيادة أبي حاتم يعقوب بن لبيب الهواري . ينظر : طبقات المشايخ 1 . 36 - 38 . ( 45 ) سورة الأنعام آية 42 . ( 46 ) كذا في الأصل . وقرأها ناشر الطبعة السابقة : ان تزول . وما في الأصل لا يحتاج إلى تقويم .